قصة حقيقيه لسودانيين ونجاتهم من موت محقق

*كنت في مدينة بحري حين اشتعلت الحرب في الخامس عشر من ابريل من العام 2023م،*
 وما رأيت من عموم السودانيين حينها إلا كل شر، وكان حكمي في قرارة نفسي يزداد حنقاً على السودانيين وأسفاً عليهم مع كل يوم وأنا أرى من حولي الإقتتال على جمع المواد الغذائية من الأسواق، وفي صفوف بئر الماء بعد أن نفذ ما عندنا وانقطعت عنا لأيام، السلب والنهب والقتل الذي يمارسه جميع أشكال المسلحين السودانيين بين الأهالي وفي أماكن سكنى المدنيين، البربرية السودانية التي صدقها إمتلاء الشوارع بجثث البشر المتعفنة، فأصبحت جيفة الإنسان ترقد بجانب جيفة القط والكلب والحمار وتتآكل حتى يبين عظمها.
سعينا للخروج حالنا حال معظم الأسر في منطقتنا بعد أن أنهكنا إنعدام النوم في ظل أصوات القذائف والرصاص واستمرار انقطاع الماء والكهرباء ونفاذ الأقوات، وذلك بعد أيام من الجدال وتدافع الآراء والإختلاف بين داعم للخروج ومعارض له ومحايد ساكن لايبحث في سبل الخروج كما لا يبرر المكوث.
وكعادة لا أقول السودانيين وإنما البشر في اغتنام مآسي بعضهم شهدنا ارتفاعاً جنونياً في تكاليف الخروج، وأصبح أصحاب الحافلات يضعون أسعاراً ما أنزل الله بها من سلطان على الراكب الواحد وهم يعلمون أن هؤلاء المنكوبين المساكين على استعدادٍ للإستغناء عن كل شئ للوصول لبر الأمان، وكان بعضهم يستحل هذه المبالغ مع عدم إتمامه لمهمته فينزل الركاب في منتصف طريقهم تاركاً إياهم في مواجهة مصائرهم، بل وبلغت ببعضهم أن أقفل هاتفه واختفى عن الجميع بعد أن أخذ المال فلم يظهر ولم يذكر سبباً.
كل شئ كان يزيدني يقيناً بمدى سوء الإنسان السوداني الذي لم أعد أرى في تغنيه بالإمتياز والكرامة إلا أنه هرٌ يحكي انتفاخاً صولة الأسد.
أخيراً وبعد كثير من البحث تحركنا في الثاني والعشرين من أبريل من بحري مقابل “كبري الحلفايا” بإتجاه طريق التحدي بعد أن دار نقاش شديد، رفض فيه سائق الحافلة أن يذهب ب”شريان الشمال” وذلك لأن المساجين كانوا قد هربوا في ذلك اليوم من سجن “الهدى” و قطعوا الطريق على المسافرين هناك حسب ما بلغنا من أخبار.
تحركنا من هناك على وقع رصاص كثيف واشتباك مخيف، كان بعضنا يركب الحافلة وآخرون يحملون أمتعتهم إليها عندما فاجأنا الرصاص فتحرك سائق الحافلة تاركاً كل شئ خلفه، ركضنا للحاق بالحافلة وأحمد الله أننا كنا جميعاً حينها ممن تسمح عافيتهم بالإسراع، فكنت وابن عمي “نادر” من الذين ركبوا الحافلة أثناء سيرها، ولا يمكنني وصف السكينة التي شعرناها ونحن نرى ابتعادنا عن مكان الخطر.
واصلت حافلتنا السير حسب الإتفاق بطريق التحدي المؤدي الى مدينة “شندي” ثم “عطبرة”، ثم اتجهنا منها الى الشمال الغربي في اتجاه “مروي”.
وصلنا “مروي” وقت الغروب، ويا الله كم كنت سعيداً عندما نزلنا في محطةٍ في مدينة “مروي” بها محل بقالة رأيت عنده الكثير مما كنا افتقدناه لزمان، الخبز الطازج على طبليةٍ خشبية وثلاجات بها من الماء البارد والمشروبات وأنواع الحلويات والبسكويت والمخبوزات، والأهم من كل ذلك أناس عاديون مسالمون يشترون ويتحادثون بلكنة أجدادي الشايقية المحببة إليّ، يغدون ويروحون في أمانٍ تام، جلسنا نتناول القهوة أنا ونادر وعمي توفيق بعد أن أكلنا و ارتوينا من الماء فمازحتهم وأنا أجول بنظري في نخل مروي الذي يظهر في ظلام الليل منصتاً لصوت الهدوء الطبيعي في المكان والذي لا يعكره إلا أصوات الباعة والمشترين داخل المحطة، قلت لهم “دي بلدنا جد ما الخرطوم، بالله ما حاسين بالأمان؟!”، فضحكوا لعلمهم أن ذلك ربما يكون من أثر الأحداث ومبالغتي أحياناً في امتداح الشايقية وحبي لهم.
لم نبق هناك طويلاً فتحركنا ونحن لا نعلم ما كنا مقبلين عليه في قادم الساعات.
اجتزنا “كبري مروي” ثم كان علينا بعد ذلك أن نجتاز “كبري الدبة” أيضا حتى نكون على الضفة الغربية من النيل والمؤدية الى “القولد” ثم “دنقلا” كما هو واضح في الخريطة، وقد أخطأ سائق الحافلة خطأً فادحاً وهو يسير في طريق بمحاذاة النيل دون عبور “كبري الدبة” فدار بنا دورة توازي تقوس النيل في تلك المنطقة مرورا ب”أوسلي” و”كورتي” و”قشابي” وتخطى مدخل “كبري الدبة” متجهاً نحو الشمال ولم يكن لأحدنا تصحيحه في ذلك الظلام الدامس والذي لا ترى فيه أبعد من نوافذ الحافلة، ومع ذلك تابعت الخريطة في هاتفي بعد مدة طويلة وبعد أن أصبحت وعورة الطريق تتخبطنا بشدة داخل الحافلة بطريقة تشي بأن الطريق غير مأهول ولم يعتد المسير والحركة، فوجدت أننا في الضفة الشرقية من النيل ونسير في اتجاه قرية “ناوا” والتي ينقطع بعدها الطريق كما هو واضح في الخريطة!.
تقدمت لأكلم السائق و وصفت له ما سبق، فأجابني بإهمال وبكل كبرياء وبرود أعصاب أنه أعلم وأن ما نحسه من وعورة الطريق مجرد “كثبان رملية”، وأعانه على ذلك دعم أحد الركاب لكلامه ليبين أنه أيضاً عارفٌ بخلافي أنا الذي أهرف بما لا أعرف “وتلك أيضا عادة سودانية خالصة كثيراً ما نراها في تأكيد معلومة أو نفيها وليس لسابق علمٍ وإنما لتعقيدات نفسية لم يتح لي المجال لمحاولة فهمها”.
المهم هنا أنني سكتت وآثرت أن أترك الخبز لخبازه وتناسيت أن الخبز عندنا في السودان يصنعه الجميع إلا الخباز الذي قد يكون مشغولا بالسباكة مثلاً.
استمر سيرنا لحوالي ساعة قبل أن تتوقف الحافلة فجأةً في مكانٍ مجهول، حاول السائق التحرك مراراً ولكنه لم يفلح وكنا نسمع صوت الضغط على محرك الحافلة ولا نرى حركة وكان ذلك ربما في التاسعة أو العاشرة مساءً من ليلة الثالث والعشرين من ابريل، لا يمكن لك أن ترى إلا انعكاس وجهك في زجاج النوافذ من شدة الظلام، بدأت أصوات الأسئلة تتعالى موجهة للسائق عما يحدث، نزلت من الحافلة ومعي كل من يقدر على النزول فوجدنا اللاشئ، ظلام في كل مكان غاصت أرجلنا في رمال لا يفوق نعومتها إلا خوفنا مما يمكن أن يكون بداخلها، والأسوأ من كل ذلك وجدنا الحافلة وهي غارقة في الرمال بشكل يقطع الرجاء.
صرخ أحد الرجال معنا في جزع قائلا:” إن أشرقت الشمس ونحن هنا فسوف نموت، فليس لدينا ماء، ولا ملاذ لنا من الحرارة في هذه الخلاء”.
رأيت بعد ذلك سمة سودانية خالصة أخرى وهي أن الخطأ لا ينتج عنه الإعتراف به مهما كانت الظروف.
قد يعجزني وصف الغيظ الذي أصابني وانا أرى سائق الحافلة الذي دفعه إحساسه بالخطأ لرسم ملامح اللامبالاة على وجهه، سلوك شديد الشيوع في السودان ولكننا نتغاضى عنه، شئ من البلادة يبدو على وجه المخطئ عند سؤاله عن الخطأ، مع نظرات تخلو من أي معنى يعقبها إشاحة للوجه بعيداً عن السائل وكل ذلك مع همهمة بكلام قد تتمنى لو لم تسمعه من قبيل “اها أسوي ليكم شنو” أو “الزول دا زعلان مالو؟” وهكذا، فلا أدري أذاك نوع من البله؟، أم ظن أنه يدفع به الحرج عن نفسه؟، المهم أنها كانت المرة الأولى التي يستوقفني فيها أحد اخوتي عن “المشاكل”، فقد هممت بضرب الرجل بعد جدال وأنا أراه بكل ما أوتي من استهتار يفترش سجادة صلاة ليرقد عليها وأسمعه يقول “ما عندنا حل غير نستنى الشمس تطلع وبعد داك نشوف لينا حلة قريبة نمشي عليها” فوقف أخي “علي” بيني وبين الرجل وفض الإشتباك.
لم يكن لدينا ماء، ولا ما يقيم أودنا إن استمر ما نحن فيه، ولا شبكة للإتصال وطلب العون، وكان معنا من الأطفال وكبار السن عدد كبير، فقضينا الليلة في محاولات لإخراج الحافلة عن وحلها ولكن لا جدوى، وكان مجهودنا نقشاً في الرمل وما أشبهه بالبحر.
أشرقت الشمس وأذكر أن خوفنا بلغ أشدّه أنا و”نادر” ونحن نرى تقاطر الأطفال من داخل الحافلة بعد أن صحوا من نومهم، وقد بدأوا باللعب في الرمل و وقد أنهكوا التلال صعودا ثم هبوطا ونحن نعلم أننا لا نملك لهم ماء ليشربوا بعدها، وكما أخبرني “نادر”: “عندما تحسست الأرض و وجدتها استحرّت، ظننتها الحادية عشرة أو الثانية عشر ظهرا ولكنها كانت السابعة والنصف صباحاً فعلمت أننا هالكون لا محالة”.
كان كل منا يختار الإتجاه الذي سيذهب لإكتشافه والبحث عن النجدة فيه، وكان ذلك لساعات طوال فلم يبدو لنا أن لأحد هذه الإتجاهات نهايةً أو مستقر، حتى أخبرني عمي “توفيق” أن أجمعهم فمن قد يضيع عن جماعتنا هنا حتماً لن يعود.
أذكر أنني كنت أفكر بعشوائيةٍ غريبةٍ لا تناسب الموقف وخطورته، فتذكرت في تلك الساعات كل ما كنت قد قرأته في كتب التاريخ والرحالة عن القوافل وما يجري لها حال التيه وحدوث العطش من موت بعضهم وهذيان البعض الآخر وتخبطه مع انعدام الماء حتى يلحق بسابقه، وكنت أحدث نفسي “القريناه دا حيحصل علينا نحن ولا كيف؟”، ثم أنظر لبرهةٍ لبقايا جدران متهالكة غاصت في الرمال على مقربةٍ منّا، واقترب منها في حالة من الفضول متساءلاً “لأي عهد تتبع هذه الجدران؟، وهل يعلم علماء الآثار بوجودها؟، ربما هناك مدينة بكاملها تحت أرجلنا”!!!، أطيل النظر لسائق الحافلة من على البعد وقد أضناني وأضناه الحر وأفكر في سماجته وتبلّد مشاعره وألعن اليوم الذي كتب لي فيه “أن أكون من ديلا”!، ثم أعود معاتباً نفسي مذكراً إياها بأنني سوداني أيضاً وقد لا أختلف عنهم كثيراً انانيةً وانتهازيةً وكسلاً وبلادة، فالأولى أن أعالج ما بي مما أعيب عليهم، بحركة لا إرادية أبتلع ريقي فأحس بحشرجة مزعجة من أثر العطش ثم لا تعود حنجرتي لمحلها بعدما نزلت عند البلع لجفافها، فأعود فزعاً لواقع ما نحن فيه من خطر بعد لحظة انجذابٍ في غير محلها.
كنا في حوالي العاشرة من صباح اليوم التالي الثالث والعشرين من ابريل عندما رأينا من البعد رجل “عريبي” يرتدي الجلباب والسديري، راكباً على حمار.
كان هذا الرجل علامة الحياة لنا ودليلها، منارة في عرض البحر، نار بانت لنا في أرض قفر، اسميته انا فيما بعد “الخضر” عليه السلام مع أن اسمه “عبدالعظيم”.
أسرعنا نحوه بشدةٍ واندفاع مخيف ونحن كثر، تاركين خلفنا حافلة مليئة بكبار السن والأطفال الذين انهكهم الحر وفنيت منهم الأقوات وشح عندهم الماء، فحياتنا الآن رهينة بهذا الرجل، وقد كنت أجري نحوه وأفكر أنه طالما هو هنا و حيٌ يرزق، فمؤكداً يعرف مصدراً للماء و يعرف مخرجاً من هذه الصحراء.
أدركناه وهو ينظر إلينا بإستغراب فأمسك بعضنا به وبعضنا بالسرج، وكنت ممن أمسك برأس الحمار فلا نفلتنه من أيدينا ما لم يدلنا على طريق الخروج، أخبرنا أن اسمه “عبدالعظيم”، وأنه من سكان مكان قريب، وأخبرناه أننا تائهون منذ البارحة ولم يعد لدينا من الماء ما يحيينا في هذا المكان.
رد على استنجادنا به ونظراتنا الخائفة التي لا تخلو من عنف فقال: “ابشروا تب، عندنا خمسة تركترات في الحلة، بمشي اشوف الشغال فيهن وأجيبو ليكن”، وطلب منا تركه حتى يذهب الى قريته و يعود لنا بالنجدة.
أطلقنا لجام راكوبته بتردد وخوف، ونحن ننظر إليه يبتعد ويختفي في الأفق عن مرأى أبصارنا، ولسان حالنا يقول هلكنا إن لم يعد، ماذا إن نسي؟، أم ماذا لو مات في الطريق ولم يصل قريته؟!!!.
انقضت ساعة من الزمان كأقسى ما يكون علينا، فما هي حتى رأينا رجلان يركب كل منهما على حمار في طريقهم إلينا.
رؤية هاذين الرجلين بعثت في نفوسنا الحياة وأزاحت شبح الموت أو بعضه الذي كنت قد بدأت أراه قريباً، فبدؤا يطمئنوننا حال وصولهم و يؤكدون لنا أن النجدة آتية في إثرهم.
تلت الرجلان عربة “بوكس” في اتجاهها نحونا ويتصاعد الغبار بكثافة خلفها، وكان ذلك أول فوج لا أقول من “الملائكة” ولكن من “السودانيين”!.
نزل من العربة ثلاثة شباب يرتدون الجلابيب وأنزلوا معهم ثلاث حافظات للمياه، فتحوها أمامنا وقد رأيت بأم عيني الماء الزلال مع قطع الثلج عائمة على سطحه، يا الله وياله من فرج، شربنا الماء البارد اللذيذ وأخذناه داخل الحافلة لمن لا يستطيع النزول فشرب الكل وارتوى، فلم نبلغ أن نتم شربنا للماء حتى وصلت عربة “بوكس” أخرى، بها فوج جديد من “السودانيين”، أربعة رجال آخرون يحملون في صندوق العربة أكياس كبيرة ممتلئة بالخبز وصناديق ممتلئة بالبسكويت منحونا إياها فأكلنا وأكل أطفالنا وكبار السن فينا، وكان كل فوج منهم يصل عندنا يشمر عن ساعديه ويبدأ في إزاحة الرمل عن حافلتنا الغارقة في الرمل، توافدوا علينا حتى تجمع عدد كبير من هؤلاء الملائكة السودانيين، تجمعوا بعدتهم صغاراً وشباباً وكهولاً، كانت وجوههم يملؤها الترحاب و التبسّم وانا والله لست مبالغاً ولا متجاوزاً حد الحقيقة فيما أصف.
رأيتني واخوتي نساعدهم في اخراج الحافلة بآخر ما لدينا من طاقة، ولسان حالنا يقول ” لو كان حبيبك عسل ما تلحسوا كله”، ولكنهم أصروا ألا يتركوا لنا مجالاً لبذل الجهد، وكانوا يبعدوننا عن الحافلة متعللين بأن التعب يبدو علينا بالإضافة الى أنهم متعودون على مثل هذه الحالات!!، ولن أنسى أحدهم يصرخ ضاحكاً “حسا دا وحل؟!!، علي الطلاق انتوا ما شفتوا وحل، دي هينة بنمرقا ليكم حسا دي”.
رحمه الله حياً وميتاً وأدام عليه الطمأنينة ورزقه بحسنة الدنيا والآخرة، وقد نزلت كلماته علينا برداً وسلاماً وطمأنينة.
في هذه الأثناء بدأت أفواج جديدة من “السودانيين” في الوصول، المزيد من عربات “البوكس” والتي كانت تحمل “الفطور” كما أخبرونا، مئات الأطباق الحديدية مصفوفة في أعمدة، بها الفول بزيت السمسم، السلطة بالطماطم والجرجير والعجور، العصيدة والقراصة، أحدها مع ملاح الويكا، وأخرى مع الملوحة، البيض، وليس هذا فحسب بل قدموا لنا الشعيرية والطحنية للتحلية، هذا بالإضافة لكميات كبيرة من الخبز الطازج مجددا، وأذكر أنني أكلت مما أحب وأزحت ما لا أحب حتى شبعت، فكأنني ما كنت أتوقع الموت قبل ساعات وجلّ أمانيّ أن نجد شربة ماءٍ تساعدنا على الإستمرار، قد تعتقد أخي القارئ أن هذا كثير يثير العجب فأعلم أننا ما إن فرغنا من “الفطور” حتى وصلت عربة أخرى تحمل “الشاي والقهوة” بكميات فاضت عن حاجتنا. !
٩
كانوا هم في هذه الأثناء يقومون بإنتزاع الحافلة من باطن الأرض إنتزاعاً، استمرت أعدادهم في الزيادة وأحضروا “التركتر” الأول، ولما لم تجدي محاولاتهم نفعاً استدعوا “التركتر” الثاني مع الأول وكل ذلك بينما نحن نأكل ونشرب ونتجاذب أطراف الحديث.
اشتد القيظ وزاد الحر من درجة حرارة الرمل الذي كنا نرى أحدهم يغرز يده بداخله عميقاً ليزيح الرمل عن إطارات الحافلة.
بعد فشل كل الطرق التي حاولوا استعمالها، اقترح أحدهم أن يجلبوا جذوع نخل ليجعلوها أسفل الإطارات فيسهل خروجها من الرمل.
سرعان ما تحركوا بهمة ونفروا صغاراً وكباراً وركبوا العربات وعادوا محملين بهذه الجذوع.
فكنت أراهم يحملون جذوع النخل في اتجاههم نحو مكان الحافلة وكنت أتساءل أهؤلاء من البشر؟، أينجدون الملهوف ويغيثون التائه ويقومون بكل ذلك لوجه الله؟، ما الذي يدفعهم لذلك؟، أهم ملائكة؟، والأهم من ذلك “أهم سودانيون”؟!!، هل كنت لأقوم بكل ذلك لو كنت مكانهم؟، ياويل عمر لو لم يتعلم بعض ما عندهم، وهنا تراءت لي حقيقة “كان ما جيت من زي ديل وا أسفاي وا مأساتي”، ولكن هل انا مثلهم لأستحق أن أكون “من زي ديل”؟.
كان كبارهم يجلسون على الأرض يحملون العصي ويقومون بتوجيه الشباب، يشرفون على كل شئ، يقترحون الحلول، وينهرون المتقاعس فسمعت أحدهم يصرخ في شاب وقف وقد غطاه الغبار وابتل جلبابه بالعرق: “أنت يا ولد جاي تتونس؟، كان غلبك أرجع لي أمك في البيت”!.
أصبح المكان الموحش الذي ضعنا فيه بالأمس ولم نر فيه غير الظلام الدامس ليلاً، وامتدادات الكثبان الرملية نهاراً، ولم ندر أين نحن منه، يعج بالبشر ولدينا الكثير من الطعام والشراب وتتعالى فيه أصوات التركترات والعربات، كأنه قرية مصغرة، وقد دفعني الإعجاب والفضول بالإضافة لشدة الإمتنان أن أتعرف عليهم في هذه الأثناء، فقد طوقوا أعناقنا بفضلٍ لن أنساه ما حييت، وعلموني دروساً ما تعلمتها في مدرسة ولا جامعة، والأكبر من كل شئ أنهم أستعادوا عني ما كنت قد فقدته من ثقتي بنفسي ك”سوداني” بعد ما كنت قد رأيته في الخرطوم.
سألت بعضهم من أي المدن أو القرى أنتم؟، الى أي المجموعات السودانية تنتمون؟، كيف أتى بكم جميعاً “عبدالعظيم” الذي كان قبل سويعات وحيداً على ظهر حماره. ما عرفته أن كل هؤلاء أخلاط من الشايقية والهواوير والدناقلة وهم من ثلاث قرى في تلك المنطقة، القرية الأولى هي “تمر العرب” والتي تقع على الضفة الشرقية من نهر النيل مقابلة لجزيرة “كومي” وذلك في اتجاه الجنوب الغربي من حيث كنّا، والثانية هي قرية “الزرايب” والتي تقع في اتجاه الشمال الشرقي من “ناوا”، والثالثة هي “القولد” المعروفة والتي تقع في الضفة الغربية من النيل ومن العجيب ما علمته من أن بعض منقذينا كانوا قد جاؤونا على ظهر مراكبٍ من هناك.
وأما فيما يخص انتشار خبرنا بينهم فإن “عبدالعظيم” كان قد أخبر أهالي قرية “الزرايب” عند عودته إليهم فأعلنوا ذلك على مئذنة الجامع واستدعوا كل من به طاقة للخروج إلينا وكذا في بقية القرى.
قصة فيها من المروءة والخير ما قد لا يجوز إلا على صحابة يعيش بين ظهرانيهم رسول الله.
أخرجوا الحافلة وسط تكبيرٍ وهتاف وبحماسٍ شديد وبعد مجهود كبير وتعب مستمر، وقد تظن أيها القارئ أن ما جرى يكفي ليكونوا ملائكة من السماء ولكنهم أبوا إلا أن يحملوننا المزيد مجدداً.
فقد وجّه أحدهم سائق حافلتنا بإتباع عربته تماماً، وأن يلتفّ حين يراه التف، فلا يقومن بخطوة خلاف ذلك من صنعه فيفسد ما قامت به الجماعة، ركبنا الحافلة و كنت هذه المرة ومعي مجموعة نجلس على رأس السائق تماماً، لأضمن ألا يودي بنا بإستهتاره مجدداً.
وصلنا لبيت قديم يقف منفرداً في الخلاء ولم ندرِ لم أتى بنا سائق العربة الذي يتحرك أمامنا الى هنا، دخل مع رفيقه الى هذا البيت ثم عادا يحملان “compressor” فأعادوا ملء إطارات الحافلة بالهواء و أحضرا برميلاً مليئاً بالوقود فملأنا الحافلة منه، ثم جاء ببعض الحلوى في قدح وأعطانا منها و أعطى ركاب الحافلة.
انطلقا أمامنا حتى بلغنا طريق الأسفلت الذي أضعناه بالأمس فنزلا من العربة أثناء مرورنا أمامهما يودعاننا بحركة من يديهما في تواضع شديد، فكأنهم ما اطعمونا من جوع ولا آمنونا من خوف.
تحركنا في طريقنا محمّلين بالكثير من الماء والحلوى والخبز، وكنا البارحة قد دخلنا الصحراء بالقليل وخرجنا منها اليوم بالكثير الكثير!.
مضينا حتى بلغنا “دنقلا” ومنها الى “أرقين” وحتى “أسوان” ولم تنتهي الحلوى ولا نفذ الخبز.
خرجنا من بيوتنا في الخرطوم ونحن محاطون بنوعٍ من البشر يدخلون على الآمنين في بيوتهم ليقتلوهم ويسرقوا شقى أعمارهم وهم يكبرون ويهللون، ثم ضللنا طريقنا في الصحراء فجاءنا قوم يؤمّنوك إن وجدوك خائفاً ويطعموك إن كنت جائعاً ويهدونك الطريق إن وجدوك ضالاً تائهاً، ثم لا يريدون منك جزاءً.
فهل كل هؤلاء “سودانيون” بل هل هم جميعاً من البشر على السواء؟ وهل تقلهم أرض واحدة وتغطيهم ذات السماء؟!.
أتمنى أن أعود يوماً ما لأزور هذه القرى الثلاث، وأقابل أهلها أهل العون والشهامة والكرم بل هو الإيثار الذي ما سمعته في أبيات من الشعر ولا قرأت عنه في كتاب بل شهدته عياناً، وأن أشكرهم جزيل الشكر على ما قدموا لنا استقطاعاً من عمل أيديهم و وقتهم وحتى قوتهم وقوت عيالهم، ولست أدري ما نوع الشكر الذي يكافئ إحياء عشرات الأنفسِ كانت في طريقها للهلاك، فإحسانهم لنا أكبر من أن يُجزى وجميلهم لا يُرد.

الحق محفوظ للكاتب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

error: Content is protected !!